ملفات لم تُقرأ بعد
صباح تعيس على عينين تلك الفتاة الصغيرة على غير عادة كل صباح مرت به من قبل، فهذا الصباح أفقدها جزءًا من روحها، أفقدها نبض فؤادها، حملت نفسها سريعًا وتقهقرت إلى الخلف إلى حيث غرفتها وفراشها؛ فذلك المكان الوحيد الآمن الآن بالنسبة لها.
وصلت حصنها وأغلقت على روحها البريئة، وتدثرت بفراشها وفرت بنفسها؛ لتنأى بعيدًا عن كل هذه الصراعات من حولها مسالمة مُسلمة أن لا أحد سيأخذها في دفئ أحضانه بعد رحيل أبيها.
تساقطت دموع آسيا الواحدة تلو الأخرى ترفض التصديق لما تسمع من تلك الأصوات التي تقبع خارج إطار غرفتها، فأخذت تهز رأسها يمينًا ويسارًا علها تفيق، لربما هي بغفوة وستفيق منها، ولكنها لم تجد حلًا سوى أن ترفع الغطاء على رأسها وتهرب سريعًا في سُبات عميق؛ لتركض فيه مجددًا إلى أدفئ مكان على وجه الأرض، إلى حضن أبيها، تعلم أنه سيأتيها في حلمها يثلج فؤادها ببعض الكلمات؛ لتحيا روحها من جديد.
وسريعًا ما قَدِمَ إليها وضمها إليه إستنشق عبيرها وإستنشقت مسكه، أخذت بيده بين كفيها الصغيرتين مردده بصوت متردد خائف مرتجف بصوت هامس قائلة:
_ الجميع من حولي يقول أنك رحلت عن عالمي.
إبتسمت عيناه إبتسامة حزينة وهز رأسه بشئ من التأكيد مرددًا:
_ نعم، ولكني بجوارك حينما تحتاج لي صغيرتي.
تساقط الدمع من عينيها كشلال ماء غزير، وأخذت شهقاتها تتعالى وصدرها يعلو ويهبط رافضة تصديق هذا الحديث تتلمس بيداها الصغيرتين وجنتيه مردده:
_ ولكنك هنا يا أبي معي آراك وتراني، أُحادثك وتحادثني، ألا أتلمس وجنتيك الناعمتين الآن؟!
أجابها مهدئًا إياها، محاولًا الوصول لحل يرضي قلب وكفي صغيرته قائلًا:
_لا عليكِ يا صغيرتي ما هي إلا حياة زائلة، وستعودين إلى أحضاني مرةً أخرى.
أجابت رافضة رحيله، وترك يديه:
_ لا أحتاجها تلك الحياة، لا أحتاج سوى أحضانك، خذني معك، أو إتركني وسأقتل نفسي لأعيش معك في الحياة الأخرى تلك.
أفلت يديه من بين يديها وسُطر الغضب على ملامح وجهه وأعطاها ظهره وردد بصوت قوي أخذ يتردد من حولها:
_حينما تفعلين ذلك، لا تكونين أنتِ إبنتي التي أنجبتها وربيتها عشرون عامًا، حينما ترتكبين هذا الذنب سيُلقى بكِ إلى الجحيم، ولن نلتقي أبدًا، لقد علمتك من قبل ورددت على مسامعكِ "وولدٌ صالحٌ يدعو له"
أصابها الذعر الشديد من غضبه، ومن فكرة أنها لن تذهب معه، وأنها إن أنهت حياتها لن ترآه مجددًا، جلست على تلك الأرض الخضراء من حولها مرددة:
_ لا تغضب يا أبي أرجوك، أنا لا أستطيع التعامل مع أحد على هذه الأرض دونك، رحيلك جعلني تركت كل شئ، لم أستطيع الذهاب إلى الجامعة ولو ليوم واحد، لم أتمكن من الذهاب إلى عملي، لم أتمكن من أن أعيش خارج غرفتي، أتهرب من الذين حولي بالنوم، أنتظر رؤية عيناك، أشتاق إلى لمسة يدك، أفتقد القبلة التي تضعها على جبيني حينما يأتي الصباح، وحينما تأتي لتطمئن عليّٰ ليلًا، كيف تقنعني كل يوم طيلة الشهر الماضي بأنك رحلت عن عالمي؟،
كيف أقتنع بأنه يجب أن اعيش تلك الحياة بمفردي؟
كيف أخرج من غرفتي؟ ومن حولي لم يتقبلني بعد في هذا المنزل.
أنا لم أجد أحد هنا يحتويني مثلك يا أبي، أهلك لا يرغبان في وجودي، انا ألمح الكره في عينيهم، منذ ذلك الحادث الأليم، وأنا أرفض تصديق أن أسيا مدللة أبيها، أميرة هذا العالم، كما كنت تقول لي، ستقطن وسط الذئاب بمفردها.
ترى من هي أسيا؟
وما هو الحادث؟
ومن هم الذئاب؟
إنتظروني يوم الأحد القادم 😂🤭